السيد حيدر الآملي

159

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ولهذا التّرتيب كان أجلّ كلمة نطق بها في التوحيد ( قولنا ) : لا إله إلَّا اللَّه ، إذ كان الجزء الأوّل منها مشتملا على سلب كلّ ما عدا الحقّ سبحانه ، مستلزما لغسل درن كلّ شبهة لخاطر سواه ، وهو مقام التنزيه والتخلية ، حتّى إذا انزاح كلّ ثان عن محلّ عرفانه استعدّ بجوده للتخلية بنور وجوده وهو ما اشتمل عليه الجزء الثّاني من هذه الكلمة . ولمّا بيّنا أنّه عليه السّلام كان لسان العارفين والفاتح لإغلاق الطَّريق إلى الواحد الحقّ تعالى والمعلَّم والمرشد لكيفيّة السّلوك ، وكانت الأوهام البشريّة حاكمة بمثليّته تعالى لمدركاتها ، والعقول قاصرة عن إدراك حقيقته والواصل إلى ساحل عزّته والمتّزه له عمّا لا يجوز عليه إذ ما أمكن وجوده نادرا ، لم يكن للأوهام الواصفة له تعالى بما لا يجوز عليه معارض في أكثر الخلق ، بل كانت جارية على حكمها قائدة لعقولها إلى تلك الأحكام الباطلة كالمشبّهة ونحوهم ، لا جرم بدأ عليه السّلام بذكر السلب إذ كان تقديمه مستلزما لغسل درن الحكم الوهميّ في حقّه تعالى عن لوح الخيال والذّكر ، حتّى إذا أورد عقب ذلك ذكره تعالى بما هو أهله ورد على ألواح صافية من كدر الباطل فانتشقت بالحقّ كما قال : فصادف قلبا خاليا فتمكنّا . ثمّ إنّه عليه السّلام بدأ بتقديم حمد اللَّه تعالى على الكلّ هاهنا وفي سائر خطبه جريا على العادة في افتتاح الخطب وتصديرها ، وسرّ ذلك تأديب الخلق بلزوم الثناء على اللَّه تعالى ، والاعتراف بنعمته عند افتتاح كلّ خطاب لاستلزام ذلك ملاحظة حضرة الجلال والالتفات إليها عامّة الأحوال ، وقد بيّنا أنّ الحمد يفيد معنى الشّكر ، ويفيد ما هو أعمّ من ذلك وهو التّعظيم المطلق وبجميع أقسامه مراد هاهنا لكون الكلام في معرض التمجيد المطلق . ( عدم إمكان ثنائه تعالى بما هو عليه ) قوله : الَّذي لا يبلغ مدحته القائلون . أقول : أراد تنزيهه تعالى عن اطَّلاع العقول البشريّة على كيفيّة مدحه سبحانه كما هي . وبيان هذا الحكم أنّ الثّناء الحسن على الشيء إنّما يكون كما هو إذا كان ثناء عليه